يونيو 15, 2026

ترقب حذر.. ما الذي ينتظر العراق بعد الاتفاق الأميركي – الإيراني؟

شفق نيوز- بغداد/ لندن

بينما تتسابق التقديرات السياسية في بغداد وعواصم المنطقة لقراءة ما يمكن أن يترتب على التفاهم الأميركي – الإيراني الأخير، يبدو المشهد العراقي أقرب إلى مساحة رمادية تتأرجح بين التفاؤل بإمكان استثمار الانفراج، والانتظار الحذر لحين اتضاح ما إذا كان الاتفاق سيصمد فعلاً على الأرض أم سيبقى إطاراً سياسياً هشاً قابلًا للاهتزاز عند أول اختبار إقليمي.

وتزداد هذه الضبابية ارتباطاً بتعقيدات المشهد العراقي نفسه، حيث تتداخل الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية مع شبكة نفوذ إقليمي ودولي ممتدة، تجعل من العراق أحد أكثر الدول تأثراً بأي تحوّل في مسار العلاقة بين واشنطن وطهران، سواء على مستوى الاستقرار الداخلي أو توازنات القوى أو حتى مسارات الطاقة والتجارة الإقليمية.

وبحسب الإعلانات الأولية، يتضمن “اتفاق السلام” بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستانية وقف العمليات العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ورفع الحصار البحري عن إيران، إضافة إلى فتح مسار مفاوضات نووية خلال 60 يوماً.

ورغم أن التفاصيل التنفيذية لا تزال غير مكتملة حتى الآن، فإن مجرد الإعلان عنه ليل الأحد/ الاثنين بدأ ينعكس على توقعات الأسواق وتقديرات القوى الإقليمية، في إشارة مبكرة إلى أن تداعياته المحتملة لن تبقى محصورة بين واشنطن وطهران، بل ستطال بالضرورة دولاً في مقدمتها العراق.

العراق والصراعات الإقليمية

وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي المقرب من الإطار التنسيقي، عماد المسافر، إن العراق “ضمن منطقة تعج بالصراعات، ومؤكد أن أي تصعيد أو استقرار في هذه المنطقة ينعكس سلباً وإيجاباً على الداخل العراقي، خصوصاً مع وجود ارتباطات اقتصادية وسياسية كبيرة بين العراق ودول المنطقة”.

ويضيف المسافر لوكالة شفق نيوز، أن المطلوب اليوم هو “رؤية واضحة لصانع القرار السياسي العراقي تجاه ما يحدث في المنطقة، وتوظيفه بشكل صحيح بما يخدم المصالح العراقية، وألا يكون على حساب الثوابت الوطنية والمبادئ التي يحملها الشعب العراقي”.

فرصة مشروطة

في المقابل، يرى أستاذ الدراسات الإستراتيجية والدولية في جامعة بغداد ورئيس مركز التفكير السياسي، الدكتور إحسان الشمري، أن العراق قد يكون من أبرز الدول المستفيدة من إنهاء حالة الحرب بين واشنطن وطهران، بالنظر إلى حجم التأثيرات المباشرة التي تحملها هذه المواجهة على الداخل العراقي.

ويقول الشمري لوكالة شفق نيوز، إن العراق “كان من أكثر الدول تضرراً نتيجة العمليات العسكرية بين أميركا وإيران، وما رافقها من انعكاسات سياسية ودبلوماسية واقتصادية”، مضيفاً أن الاتفاق “يمثل فرصة لحكومة علي الزيدي لإعادة ترتيب الأوراق، خصوصاً على المستوى السياسي، باتجاه خارطة طريق إصلاح الدولة ومؤسساتها وطرح مشروع وطني”.

وعلى المستوى الاقتصادي، يشير الشمري خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن التوترات السابقة، خصوصاً ما يتعلق بمضيق هرمز، أثرت على العائدات النفطية، لكنه يرى في الانفراج الحالي فرصة يجب استثمارها بشكل أعمق عبر “تنويع مسارات تصدير النفط العراقي من خلال السعودية وميناء ينبع والأردن وسوريا وحتى تركيا، بما يتيح ضخ ما يقارب مليون و400 إلى مليون و500 ألف برميل إضافي”.

ويضيف أن “القضية ليست في زيادة العائدات فقط، بل في إعادة ترتيب الاقتصاد العراقي وفق معطيات الحرب التي جرت”.

أما أمنياً، فيعتبر الشمري أن الاتفاق قد يشكل “ورقة داعمة لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، حيث لا مبرر لبقاء أي سلاح خارج إطار الدولة”، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة قد تدفع الحكومة إلى تحريك ملف الفصائل المسلحة ضمن تفاهمات أوسع مع طهران.

لكن الشمري يحذر في الوقت نفسه من الاكتفاء بالمسارات التقليدية، قائلاً إن ذلك “لن يحقق للعراق مزيداً من الفائدة”، لافتاً إلى أن حتى العلاقات العراقية–الأميركية والعراقية–الخليجية “تضررت خلال المرحلة السابقة، وأن الفرصة اليوم سانحة لإعادة ترتيبها سريعاً”.

حذر وترقب

ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الإعلان عن التفاهم، إلا أن أستاذ العلوم السياسية في جامعة إكستر البريطانية، الدكتور هيثم الهيتي، يدعو إلى قدر أكبر من الحذر في قراءة المرحلة الحالية.

ويقول الهيتي لوكالة شفق نيوز، إن “الجميع لا يعرف مدى صلابة الاتفاق أو قدرته على التحول إلى واقع”، مضيفاً أن “الاتفاق لا يزال هشاً وغير واضح المعالم، وجاء بعد مناورات ومساومات سياسية عديدة”.

ويرى أن من السابق لأوانه الحديث عن انعكاسات حاسمة على العراق، سواء إيجابية أو سلبية، مشيراً إلى أن “المرحلة المقبلة ستتحدد ليس فقط عبر العلاقة الأميركية–الإيرانية، بل عبر الدور الأميركي داخل العراق”.

ويضيف أن الأجندة الأميركية التي يديرها المبعوث توم باراك داخل العراق “ستكون أكثر تأثيراً من مسار العلاقة بين واشنطن وطهران”، موضحاً أن مقياس التطورات في العراق “سيرتبط بالدور الأميركي والخطة التي سينفذها باراك، وبكيفية استجابة القوى السياسية العراقية لهذا التحول في ظل الواقع الاقتصادي الضاغط”.

مكاسب متعددة

من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي، علي البيدر، أن الاتفاق يفتح نافذة جديدة أمام العراق يمكن أن تتحول إلى مكسب دائم إذا ما أحسن استثمارها.

ويقول البيدر لوكالة شفق نيوز، إن العراق “يمكن أن يكون من أكثر الدول الإقليمية تأثراً إيجابياً بالاتفاق، بحكم موقعه الجيوسياسي وعلاقاته مع أطرافه”.

ويشير إلى أن المرحلة السابقة، خصوصاً منذ أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، فرضت على العراق ضغوطاً مزدوجة أميركية وإيرانية جعلت “البوصلة السياسية غير مستقرة”، مضيفاً أن أي انفراج قد يخفف من الاستقطابات الداخلية والتفاوت في الولاءات السياسية.

اقتصادياً، يتوقع البيدر أن يؤدي الاستقرار إلى تعزيز بيئة الاستثمار وزيادة الثقة بالاقتصاد العراقي، فيما أمنياً يرجح أن ينعكس الاتفاق على “انخفاض الهجمات المتبادلة وتقليل استخدام الأراضي العراقية كساحة صراع”، ما يمنح الأجهزة الأمنية فرصة للتركيز على ملفات مثل مكافحة الإرهاب.